الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
45
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
هذه الإشعاعات الحبية حين تملأ فؤاد المحب وكيانه تجذبه بشدة إلى محبوبه ، ترفع عن كاهله ثقل المشقة في العبادة وعن قلبه ثقل الرين والحجب . إذ أن المحب لا يطيع طمعاً في النعيم ولا خوفاً من الجحيم ، وإنما المحبة وحدها هي التي تحمله بذاتها على طاعة المحبوب ، ومهما كان في تلك الطاعة من ثقل أو مشقة ، فإنما هي عند المحب لذة ومتعة وقربة ، فوصال المحبوب وحده هو نعيم المحب الذي يطمع فيه ، والانفصال عنه هو جحيمه الذي لا يخشى سواه ، والمحبة وسيلته الوحيدة للوصول والحصول ، والسبيل إليها عندنا هو الذكر الدائم والورد الكثير . ولكن هل الوصول إلى المحبة هو نهاية الطريق . . ؟ وهل هذا الهدف هو أسمى ما يقصد إليه . . ؟ الحقيقة إننا نرى أن المحبة غاية المبتدئ ، ولكنها وسيلة للواصل لها المتحقق بها . فليست المحبة وهي القوة الروحية النورانية إلا طاقة علوية نرتجي من ورائها ثمار وفوائد يصعب حصرها ، لعل أهمها الوصول إلى مرتبة طاعة المحبوب ، الطاعة المطلقة في الظاهر والباطن ، في السر والعلن . ليست الطاعة كما يتوهم البعض هي القيام ببعض الأوامر والانتهاء عن بعض النواهي بطريقة مجردة عن الحضور بل والإحساس بالمطاع . فالطاعة إذا كانت مصحوبة بالغفلة عن المطاع فهي هياكل خاوية أو مظاهر فارغة ، ليس فيها حياة ، وكيف يكون فيها حياة وهي مفرغة عن لبها ، وعلى سبيل المثال : فإن الصلاة هي عماد الدين ، وثابت أن من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم دينه ، فهل المراد بهذا العماد هو مجرد الألفاظ والحركات الخالية من حضور القلب مع المصلى له . . ؟ ! هل أن الوقوف بين يدي اللَّه تعالى في الصلاة لغرض عبادته ثم التغافل عنه والانشغال بأمور الدنيا وخطرات الشهوات التي وصفها حضرة الرسول الأعظم صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم بأنها جيفة وطالبيها كلاب ، يسمى طاعة ؟ ! ويسمى هذا المصلي مطيع ؟ ! إن طاعة اللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم في الصلاة وغيرها من فروض الشريعة ونوافلها ،